إعلان

الفياجرا النسائية

الفياجرا النسائية

د. براءة جاسم
06:54 م السبت 01 ديسمبر 2018

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

كعادةِ العالمِ الموازي "السوشيال ميديا"، يتناقلُ فيه الكثيرون معلوماتٍ مغلوطةً، سواء عن طريقِ السخرية "الكوميكس" أو عن طريقِ المنشوراتِ العاديةِ والتعليقات التي يتبيّنُ منها أنَّ الفكرةَ المأخوذةَ عن الدواءِ الذي أُعلِنَ عن قُربِ طرحِهِ في الأسواقِ المصريّة (الفياجرا النسائية) أنَّه يؤدِّي إلى زيادةِ الرغبةِ الجنسيّة لدى المرأة.

ما يقاربُ السبعةَ عشرَ عامًا بين الموافقةِ على "الفياجرا الذكوريّة" وسماح إدارة الأغذيةِ والعقاقيرِ الـFDA، بما يُعرَفُ اليومَ بـ "الفياجرا النسائية (Addyi).
وتجدُرُ الإشارة هنا إلى الاختلاف بين ما يقومُ به كلُّ دواء؛ فالفياجرا الذكوريّةُ تعالجُ المشاكلَ المتعلقةِ بضعفِ الانتصاب لدى الذّكور، أما الـ"الفياجرا النسائية"، فتستهدفُ علاجَ مرضٍ من أمراض اضطراباتِ الرغبةِ الجنسيّةِ لدى النّساء الـ Hypoactive Sexual Desire Disorder (HSDD)
وكانت "الفياجرا النسائية" تُستخدمُ مضادًّا للاكتئاب، ثم لاحظَ الأطباءُ الباحثونَ أنَّها ترفعُ من نسبةِ مادَّتيْ الدوبامين والنورادرينالين المسؤولَيْنِ عن الإثارةِ الجنسيّة، وتقلّلُ من نسبةِ مادةِ السيروتونين، فبدؤوا في تطويرِ هذا الجانبِ والعملِ على استغلالِهِ حتى نجحوا في الحصولِ على تصريحٍ من الـ"FDA ".

الاضطراباتُ الجنسيةُ شائعةٌ أكثرَ مما يظنُّ الكثيرون، فهي تصيبُ نحو ٤٠% من النساء، وهناك حوالي ١٠% من هؤلاء السيّدات مصاباتٌ بالـ (HSDD)، ومن أعراضِه: غيابُ أو عدمُ وجودِ التخيُّلاتِ الجنسيةِ والرغبةِ في ممارسةِ العلاقةِ الحميمة، وعدمُ المبادرةِ بالعلاقةِ أو التجاوبِ مع الشّريك، ويجبُ أن تكونَ الأعراضُ قد سبّبَتْ اضطرابًا واضحًا أو أدَّتْ إلى صعوباتٍ في العلاقاتِ الشخصية، بشرطِ ألَّا تكونَ بسببِ دواء، أو مخدرات، أو اضطرابٍ عقليّ، أو أي أمراضٍ أخرى، ويجبُ أنْ يكونَ التشخيصُ والعلاجُ من متخصِّصٍ حتى لا يتعارضَ ذلك مع مشاكلَ في الكبد أو مع أدويةِ القلب أو بعضِ الأدويةِ المضادةِ للاكتئاب، أو بعضِ الأعشابِ والمكمّلاتِ الغذائية، أو تناولِ مشروباتٍ معيَّنةٍ مع الدواءِ كعصيرِ الجريب فروت.

وما زالَ هناكَ بعضُ التحفظاتِ والنقاشاتِ المستمرةِ في أوساطٍ عدة من المتخصّصينَ ما بين معارضٍ ومؤيد؛ فهناك من يرى أن المرأةَ ظُلِمتْ في جزئيةِ إيجادِ علاجاتٍ لها تخصُّ هذا الأمر، في حين أن هناكَ عددًا ليس بالقليلِ من علاجاتِ الأمراضِ الجنسيّةِ لدى الرجال، أمَّا المرأةُ، فهذا هو العلاجُ الوحيدُ الذي صُرِّحَ باستخدامِهِ منذ ثلاثِ سنواتٍ تقريبًا.

وهناك أيضًا من يرفضُ مثلَ هذه النوعيةِ من التشخيصاتِ أو التسمياتِ أو العلاجات؛ لأنَّه يرى التركيبةَ والرغبةَ الجنسيّةَ عند المرأةِ معقدةً للغاية؛ وتتكونُ من أكثرِ من شِقٍّ، جسديّ ونفسيّ، لكنّ هذا المقال لا يتسع للحديثِ بعمقٍ أكبر عن هذه الأمور.

وهنا أريدُ التشديدَ على أكثرِ من نقطةٍ مهمّة، أوَّلُها أن الوقتَ ما زالَ مُتاحًا لدينا لدراسةِ وتقييمِ نتائجِ هذا الدواءِ للحُكمِ عليه بمنظورٍ أكثرَ وعيًا. كذلك لا بُدَّ من اللجوءِ في أمورٍ كهذه إلى متخصّصٍ لعلاجِ الشقّ النفسي، وطبيبٍ لعلاجِ الشقِّ العضوي، وأن يكونَ ذلك بالتعاونِ بينهُما حتى تتكاملَ النتائج؛ لأن شأنَ المرأةِ- تحديدًا- من الشؤونِ الأكثر تعقيدًا في مجتمعاتِنا الشرقيّةِ بشكلٍ خاص، ويرجعُ ذلك إلى أمورٍ تتعلقُ بالتربيةِ والعاداتِ والتقاليدِ، ومدى الصوابِ والخطأ والنشأةِ، وما تتعرّضُ له المرأةُ على مدار حياتِها قبل الزواج أو من الزوجِ أيضًا، وقد أدى ذلك عبر الأجيال إلى عدم قدرةِ المرأة في كثيرٍ من الأحيان على التعبيرِ عن ذاتِها في ممارسةِ علاقتِها الحميمةِ بزوجها، والمشكلاتُ في هذا الشأنِ لا حصرَ لها.

من هذا المنطلقِ نخلُصُ إلى أنَّه لا يمكنُ اختزالُ المشكلةِ وحلّها في مجردِ قرصٍ علاجيٍّ تأخذُهُ المرأةُ فتتحسن.

ونهايةً يجبُ الانتباهُ إلى معلومةٍ آثرتُ ذكرَها في الختامِ لأهمّيتها ولتصحيحِ الفكرِ السائدِ المتعلّقِ بها بين معظم الناس، وهي أنَّ هذا العلاجَ لا يزيدُ الرغبةَ الجنسيَّةَ لدى المرأةِ، وإنما هو مجردُ علاجٍ مساعدٍ لحالةٍ من حالاتِ الاضطرابِ الجنسيِّ كما ذكرت.
أما النساءُ اللاتي لا يعانينَ من المشكلةِ فليسَ لهذا العلاجِ تأثيرٌ يُذكرُ عليهن، وتلك نقطةٌ توضحُ أنَّ الجدلَ الدائرَ والتعليقاتِ الساخرةِ التي تملأُ عالمَ "السوشيال ميديا" ما هي إلا هزلٌ ليسَ للعلمِ أو للوعيِ الصحيحِ علاقةٌ به.

إعلان

إعلان

إعلان