إعلان

عش مُمتلئًا ومُت فارغًا

د. أحمد عمر

عش مُمتلئًا ومُت فارغًا

د. أحمد عبدالعال عمر
09:00 م الأحد 06 يناير 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

"أنا ذا أمضي، وما قلتُ الذي كنتُ أريدْ/ لم يزلْ عنديَ أشياءُ تُقالْ/ أنا ذا أمضي وما قلتُ الذي عندي/ وما حققتُ حلماً واحداً/ لم يزلْ في القلبِ مني ألفُ حلْمْ/ لم يزلْ في الرأسِ مني ألفُ شيءْ/ وأنا أمضي بأحلامِ حياتي/ أنا ذا أفقدُ الصحراءَ والليلَ وأحلامي وحبي/ أنا ذا أفقدُ الأهرامَ والنيلَ وأشيائي جميعًا".

بهذه الكلمات البليغة والمُوجعة ختم الراحل عبدالرحمن الشرقاوي مسرحيته الرائعة "الفتى مهران"، التي تناولت بطولة وتضحية "مهران" الفلاح المصري البسيط، صاحب الهمة والنخوة والفتوة، الذي كرس حياته لمواجهة فساد الحاكم وأعوانه، وتعريض أمن الوطن وحدوده للخطر بإرسال جنوده وجيشه للمحاربة في بلد آخر لصالح أصحاب النفوذ من التجار الأثرياء، وترك البلاد بدون جيش قوي يقف في وجه العدو الحقيقي الذي يتربص بها.

ولكن مهران مات مهزومًا دون أن تنتصر قضيته أو تتحقق أحلامه، ودون أن يقول كل ما كان يريد، وحتى دون أن يكتب أغنيته الأخيرة لحبيبته فتاة الحي "سلمى" لكي تُغنيها للحقول وللسنابل وللأجيال المقبلة.

وقد تذكرت المسرحية وبطلها وكلماته الأخيرة، وأنا أقرأ كتاب (مُت فارغًا ..Die Empty) للمؤلف الأمريكي "تود هنري" الذي صدر عام 2013، والذي يدعو فيه البشر للتوقف عن العيش في متاهة التسويف المستمر، الذي يبدد العمر بلا طائل، والسعي بدأب لتفعيل إمكاناتهم، وتحقيق أحلامهم، والارتقاء بأنفسهم، وخدمة مجتمعهم، قبل أن يأتي الموت الذي يُنهي كل شيء، ويجعل الإنسان يذهب إلى قبره وهو يحمل ثروة غير مُستغلة، هي أفكاره وأحلامه التي لم ينتفع بها أو يوظفها لمنفعة غيره، ولهذا يقول المؤلف في هذا الكتاب الرائع الجدير بالقراءة: "لا تذهب إلى قبرك وأنت تحمل في داخلك أفضل ما لديك، اختر دائما أن تَمُوت فارغًا".

وقد استمد "تود هنري" فكرة هذا الكتاب أثناء حضوره اجتماع عمل، وجه فيه أحد المديرين للحضور السؤال التالي:

- ما هي أغنى أرض في العالم؟

- فأجابه أحدهم قائلا: بلاد الخليج الغنية بالنفط.

- وأضاف آخر: مناجم الألماس في أفريقيا.

- فعقب المتحدث قائلًا: إجاباتكم خاطئة، بل هي المقبرة!

نعم، إنها المقبرة أغنى أرض في العالم؛ لأن ملايين البشر ماتوا وهم يحملون الكثير من الأفكار والأحلام القيمة التي لم تخرج للنور، ولم يستفد منها أحد سوى المقبرة التي دفنوا فيها.

وبعد أن اقتنع "تود هنري" بوجهة نظر المتحدث، قرر تأليف هذا الكتاب، ليضع فيه أفكارًا عملية تساعد الإنسان على أن يعيش ممتلئًا بالطاقات والأفكار والأحلام، وأن يموت فارغًا، بعد أن قال كل ما كان يريد، وفعّل طاقته، وحقق أحلامه، ونفع ذاته ومجتمعه.

وهذا لن يتحقق- كما قال المؤلف- بدون الاستفادة القصوى من عنصر الوقت؛ لأن العمر مهما طال فهو محدود، ويجب استغلاله جيدًا والتخطيط الدقيق فيه لتحويل أفكارنا وخيالاتنا وأحلامنا إلى حقائق وإنجازات فعلية ملموسة تُثري الوجود الشخصي والعام، وترتقي بالإنسان وسياقه العام.

في النهاية، أحب أن أقول إن هذا الكتاب عظيم الأهمية للذين بددوا أعمارهم في مقاعد التسويف والانتظار، فلم يعيشوا حياتهم أو ينجزوا أعمالًا حقيقية، وفاتهم أن فضيلة الإنسان الكبرى تكمن في السعي والمجازفة والمغامرة، وتنمية روح المبادرة والابتكار، وأن نتحرك ساعين في الأرض متحدين العوائق، دون انتظار اللحظة المناسبة التي قد لا تأتي أبدًا؛ فتتبدد الطاقات، وتضعف الإمكانات، ونعيش مهزومين غير فاعلين، ونرحل ونحن نرثي العمر والذات والأحلام، لنردد عند الموت الكلمات المُوجعة السابقة للفتى مهران.

 

إعلان