إعلان

وجهان في الزمان الواحد .. "قصة قصيرة"

د.هشام عطية عبدالمقصود

وجهان في الزمان الواحد .. "قصة قصيرة"

د. هشام عطية عبد المقصود
09:00 م الجمعة 07 فبراير 2020

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

وجه أول

وجهه يعود محدد الملامح، مكتمل الانفعالات كما عهدتموه دوما، وكأنه لم يغادركم رغم طول البعاد سوي بالأمس فقط، ربما لتلك التفاصيل الكثيرة التي ظل ينثرها عليكم في حضوره، وكأنه يصر على أن يمحو غيابه المتعمد لديكم، يستدعي أحداثا وشخوصا ومسارات أدركتموها معه، وحكايات تتألق في المسافة التي تخطونها بينما أعمدة الإنارة تلقي بأشعة نورها الشاحب على الطريق في نهايات المساء، يذكركم ببعض أبيات كنتم تعرفونها معا "بيننا يا جارتي بحر عميق"، تضحكون فيكمل منتشيًا: "في هذا العالم المملوء أخطاء مطالب وحدك ألا تخطئ"، يقول أحدكم لا، هذه مرثية لاعب سيرك لعبد المعطي حجازي، فيومئ موافقا ويضيف أتذكرون هذه: "وحنين غامض في أضلعي لبحار يلعب القرصان فيها".

يحضر ذلك المقهى الذي كان ساحة للقاء اليومي وماسح الأحذية الذي يمازحكم ثم لا يترككم حتي يستسلم أحدكم ويقدم له الحذاء راضيًا، وأعمال أمل دنقل الكاملة التي صدرت توًا وقتها ثم هذا المقطع الذي صار نشيدكم الجماعي "هل أنا الذي كنت طفلاً أم أن الذي كان طفلا سواي"، في وسط حديثه يقف برهة ليؤكد عليكم: فاكرين، تهتز الرؤوس التي غير المشيب والصلع تكويناتها القديمات، تبتسمون في محبة، فيمعن في التذكير بليلة شتوية باردة سرتم فيها من مقهى الفيشاوي حتى كوبري الجامعة، وكيف توسطتم الكوبري ناظرين إلى النهر حيث تمنى كل منكم شيئًا، واتفقتم ألا تعلنوه لبعضكم سوى بعد مضي خمس سنوات في جلسة تجمعكم وحددتم المكان، يتوه السبب لماذا تم تحديد رقم السنوات الخمس، لكن الكل وافق حينها مطمئنا للأيام.

تتذكرون معه خواطره زاعقة الرومانتيكية التي كتبها عن محبوبته الريفية التي هي من بلدة قريبة من بلدته والتي أسقط عليها كل فرحه وحزنه معا، يأخذ وجهًا انفعالاً جادًا، وهو يقول كأنه يفاجئكم أنه رآها بعد سنوات تعبر الشارع بصحبة طفليها وأصر على أن يستوقفها ويسلم عليها ويكمل بصوت خافت ربما يحادث نفسه "عادي ده إحنا كنا قبل كل شيء إخوات".

تتغير دوائر الكلام لتحمل تفاصيل أخرى عن أشياء مختلفة صار معظمها يمر عبورا لا يستوقف أحدًا؛ للتعليق وبعضها بلا معنى، وأحيانًا أيضا بلا تفسير، ثم فجأة يتذكر موعدًا ما ويمضي، لم تغادر السيجارة فمه، وكأنه يعود إلى داخل كتاب الزمان البعيد الذي خرج منه توًا، يلوح بيديه وصامتًا يغيب.

وجه ثانٍ ..

خفيفا بلا ضجة في سيره على الأرض، طائرًا يبدأ رحلته نحو موطنه في رحلة إيابه المعتادة، متساميا كسحابة تمطر على النوافذ الزجاجية فتصنع رسومًا يحتفي بها الأطفال، وغير منشغل بكثير من الحسابات في الآتي، يجاهد أن تكتمل حروف كلماته إذ تصرون دوما على مشاغباته مقاطعين، وخاليًا من أرق أوراق العملات التي تتراص في الحافظات الجلدية الموصولة بالقلوب، وجيها من غير محاولات وتجارب مطولة أمام المرآة، وكيف يمكنه ذلك، وهو الذي لم يجتمع في حوزته يوما شيئان، مطيعًا لكم، وكأنه يدرك أن الطريق معكم - أي طريق- هو منتهاه لما يشتهي.

ظل هامشًا في متونكم دون اتفاق على ذلك، وهكذا لم يجتمع أصحابه – الذين احتسبهم كذلك – يوما ليتذكروه، محوا حضوره بينهم إذ غاب، كأنهم لم يعرفوه، ثم اكتفوا بسؤال عابر عنه في تجمعات صارت تقل وتتباعد مواقيتها، ودون أن يتطوعوا بالسؤال المثابر، ربما كانوا متيقنين من ظهوره فجأة، إذ يطل عليهم مسلمًا ومبتسمًا، وهو يفاجئهم ذات مساء متأبطين ثرثراتهم على المقاهي، غاب طويلا، ولم ينتظروا حضوره أبدًا، وما بين مسافتي الغياب التي صارت زمنا يثقل حمله على نتائج الحوائط السنوية، لم يسأل أحدهم عما حدث، ثم عرفوا أنه صار الآن بعيدًا تمامًا خارج مدارات أيامهم وتفاصيلهم، وبقيت تلك الصورة الوحيدة، إذ يظهر على أطرافها مبتسمًا وشاحبًا، بينما رائحة البحر تنبعث من كل تلك الوجوه الصغيرة.

إعلان

إعلان

إعلان