إعلان

"كورونا".. أبعد كثيرًا من خيالات السينما وبلا فُشار

د.هشام عطية عبدالمقصود

"كورونا".. أبعد كثيرًا من خيالات السينما وبلا فُشار

د. هشام عطية عبد المقصود
06:57 م الجمعة 10 أبريل 2020

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

يستمتع بعض رواد السينما بمشاهدة أفلام الرعب والخيال العلمي، وتلك المليئة بالأحداث العنيفة "الأكشن" بينما يتسلون بأكياس الفشار، يعتبرون ذلك متعة جميلة على طريقتهم ويفضلونها عما سواها، بل ربما يسخرون من الأفلام الدرامية الهادئة أو تلك الرومانتيكية التي تسرح في بحار الوجدان المفرطة، لا مشكلة فالأمر لن يستغرق منهم سوى ساعتين جلوسًا على مقعد السينما أو أمام الشاشة متابعة وتحليقًا، ثم يعاودون بعدها تفاصيل سيرة يومهم المعتادة والواقعية تمامًا، وقد أحدثت تداعيات وتأثيرات انتشار فيروس "كورونا" والبث المباشر لها انقطاعًا عن هذا النهج وعممت مشاهدة ومتابعة القلق إجباريًا مشاهدة واستماعًا ليلاً ونهارًا، لا تقطعه فواصل الإعلان أو جملة النهاية على الشاشة، ومن كان يمكنه أن يتصور ذلك!.

منذ أربعة عقود مضت، وكنا طلابا في المدرسة الإعدادية، نتهامس وننقل الخبر لبعضنا البعض، بعد أن أعلن برنامج "نادى السينما" الذي يتخصص في تقديم الأفلام الأجنبية مساء كل سبت عن نيته إذاعة الفيلم الخيالي ذي الإنتاج الضخم "كنج كونج" عن الغوريللا العملاقة التي يواجهها البشر في معركة بقاء أو فناء، كان الأبيض والأسود مهيمنًا على محتوى وبرامج جهاز التليفزيون الناشيونال ذي العشرين بوصة، والذي لا يأتي مؤشره سوى بقناتين فقط، ولا شيء من تكنولوجيا الاتصالات غير جهاز الهاتف الأرضي الصامت غالبًا وإلى جواره تستكين أجندة قصيرة مدون بها أرقام الأقارب الذين غالبًا ما تلتقيهم كل أسبوع، فلا حاجة له تقريبًا إلا في الضرورات أو استكمال حوار عائلي تأخر عن استيفاء مجاله جادًا أو هزلاً وقت اللقاء، واحتاج يومًا إضافيًا آخر لا يجتمع فيه أفراده.

هكذا جاء إعلان برنامج نادي السينما عن إذاعة فيلم كنج كونج، وزاد الترقب قبل موعد البرنامج خشية أن تنقطع الكهرباء –فكثيرا ما كانت تفعلها وفق تصورنا في أوقات إذاعة المباريات مثلا– حتى حل بسلام موعد البرنامج مساء، تحتل الشاشة غوريلا عملاقة يقف أمام سطوتها البشر ضعفاء مذعورين، لا تجدى معها أسلحة وطائرات بينما تمضي في تحطيم الناطحات وكل ما يقابلها.

كنا لا نعرف حينها سوى القليل من الروايات البسيطة التي تحمل " تجاوزًا" مسمى الخيال العلمي –وطبعا سبقها العلم بأسرع مما اتسع خيال كثير من كتابها- كما كانت الكثير من الأعمال المترجمة والمنشورة للأطفال طيبة ساذجة عن العمالقة أو الأقزام أو رحلات السندباد في بلاد العجائب، كان هذا تعريف الرعب والخيال الذي عاش زمنًا جمًا.

انشغل العالم في دورة صعود السنوات بالتطور والتنويع في كل شيء ومنه المزيد من صنع أفلام وسينما الخيال العلمي والرعب، التي صعدت بالإنسان الفضاء؛ ليلتقي بمخلوقات غريبة وهبطت بمخلوقات الفضاء؛ لتقابل الأرضيين، ومضت تمثيلات وتخيلات حروب الكواكب، فضلاً عن رعب لمصاصي الدماء والمتذئبين وغيرهم، كله خيال قصير المدى تواجدًا تتسع له الشاشة مفارقًا للواقع ويصور أحوالا "غريبة" تنقطع بانتهاء أوان مشاهدتها، ليس كما هو الحال عندما يتأمل الإنسان ما فعله فيروس مجهري دقيق بالكون شرقًا وغربًا، ومطاردته للبشر وغلقه لتجمعاتهم وحضورهم الإنساني الذي استمر يصف أحوالهم طوال عصور البشرية، تقابلك أخباره أينما شاهدت أو استمعت، يتسلل من متابعته رعب خفي ناعم ماثل تتداعى له الدول تأهبًا شاملاً واستعدادات مكثفة، هكذا الحال الذى صنعه فيروس "كورونا" بالعالم.

يتغير العالم كثيرًا في ظل أجواء "كورونا" وسيتغير الناس كثيرًا معه وبعده، وتحمل بعض التقارير التي تذيعها القنوات الإخبارية الغربية تعبيرًا عن تزايد مضطرد في معدلات العنف المنزلي في البيوت في دول الغرب، هي مؤشر واحد عرضي وأثر واحد جانبي لجائحة "كورونا" في الكون، ضمن مؤشرات أخرى سيتوالى ظهورها عبر سنوات طويلة اجتماعيًا وثقافيًا، ناهيك عن التأثير الاقتصادي المباشر، سيؤثر ذلك لا شك في تفكيرنا وفي الطريقة التي ينظر بها الكثيرون نحو مفاهيم الحداثة والتمدن.

وربما بعض أكثر تصرفات البشر جنوحًا ويأسًا هو ما عبر عنه الحادث الذي نشرته صحيفة الإندبندنت هذا الأسبوع عن، كيف يكون القلق والخوف أكثر وأقوى تأثيرًا من كل شيء بل ويورد إلى التهلكة، بينما المقادير أرحم بالناس كثيرًا من ظنونهم وخوفهم المسبق، حيث قام شخص يائس بإطلاق النار على نفسه بعد أن اشتبه أنه وصديقته مصابان بالـ"كورونا" نتيجة ما واجهته من صعوبة في التنفس وإجراء تحليل لها قبل يومين من الحادث، لكن كشفت نتيجة الفحص التي ظهرت بعد وفاتهما أن كليهما كانا سليمين تمامًا، هذا بعض ما يؤدى إليه طريق الذعر والرعب.

استطاع كتاب ومؤلفون وفلاسفة في تؤدة يحسدون عليها وطوال عقود مضت أن يقفوا متأملين، ثم يقولون بيقين جم وثقة مدهشة أن البشرية غادرت محطة طفولتها باكتشافاتها وتحققاتها وأنها تعيش مرحلة النضج، بينما تتوالى الإشارات البشرية مؤكدة أن الطريق ما زال بعيدًا ممتدًا.

إعلان

إعلان

إعلان