إعلان

المعتمدية

د. جمال عبدالجواد

المعتمدية

د. جمال عبد الجواد
08:14 م الجمعة 24 أبريل 2020

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

مبروك لأهالينا في المعتمدية انتهاء أسبوعين من حجر "كورونا" الصحي بسلام. لقد تم فرض الحجر الصحي على قرى عدة في مصر، لكن قليلاً منها حاز الشهرة والاهتمام، التغطية الإعلامية التي حازتها المعتمدية؛ ولم لا، فالمعتمدية قريبة جدًا من القاهرة، وهي جزء لا يتجزأ من إقليم القاهرة الكبرى، يمر بها الطريق الدائري، في مقابل حي المهندسين.

الحكومة تعتبر المعتمدية قرية، وقد يدهشك عندما تعرف أن إقليم القاهرة الكبرى يضم بين حدوده قرى، ولكنها قرية غريبة وغير اعتيادية. لو بحثت في خرائط جوجل فستجد خرائط تفصيلية لقرية المعتمدية بحدودها الإدارية المسجلة لدى الحكومة؛ لكنك لن تجد ضمن هذه المساحة سوى قطعة أرض زراعية صغيرة ربما يكون فدانًا أو اثنين عند الحدود الشمالية الغربية للمعتمدية؛ وفيما عدا ذلك فنحن إزاء كتلة من المساكن المتلاصقة، لا تفصلها عن بعضها سوى شوارع ضيقة، وهو أمر محير بالفعل، فلا شيء في المعتمدية يشبه القرى التقليدية بما فيها من مساحة أرض زراعية كبيرة، ولا هي تشبه القرى السكينة والسياحية الحديثة الفاخرة، بما فيها من بيوت قليلة أنيقة وحدائق كثيرة.

المعتمدية قرية بلا مزارع أو فيلات فاخرة، فالأرض الزراعية التي كانت موجودة فيها قد بوروها منذ سنوات، كما اقتلعوا أشجارها، ليزرعوا مكانها عمارات شاهقة مبنية بطوب أحمر كالح. المعتمدية هي إحدى ثمار كارثة النمو الحضري العشوائي الذي انتشر حول القاهرة الكبرى والمدن الأخرى، فدمر الريف المنتج الجميل، وزرع محله عشوائيات غير آدمية. المعتمدية ومثيلاتها هي ثمار التحالف غير المقدس بين مافيا تقسيم الأراضي وفساد المحليات، وأهالي لا حول لهم ولا قوة يبحثون عن أربع جدران وسقف.

جذبت المعتمدية اهتمام وسائل الإعلام بمجرد وضعها تحت الحجر الصحي، ونشرت الصحف قصص الفرح الذي دُعي إليه جميع أهل القرية، فانتشرت بينهم "كورونا". كتب صحفيون تقديراتهم لعدد سكان القرية فقالوا إنها تضم 120 ألفًا من السكان، ولك أن تتخيل شكل الفرح الذي حضره 120 ألفًا من البشر، أو حتى نصف أو ربع هذا العدد، ولكن بأي تطبيق بسيط للمنطق تكتشف أن كل هذه مبالغات من جانب إعلام خاصم الدقة منذ زمن.

حسب الإحصاءات الرسمية، فقد كان عدد سكان المعتمدية قبل خمس سنوات أقل قليلا من سبعة وثلاثين ألف نسمة. هذا العدد أقل كثيرًا من مبالغات الإعلام، ولكنه ما زال أكثر بكثير من عدد سكان أي تجمع بشري يمكن أن نسميه قرية. وحتى نتخيل مدى ضخامة هذا العدد، فعلينا أن نعرف أن عدد سكان قسم الموسكي في نفس الوقت كان أقل قليلاً من ستة وعشرين ألف نسمة، بينما بلغ عدد سكان قسم عابدين ثمانية وأربعين ألفًا، والدرب الأحمر ثلاثة وسبعين ألفًا. فالمعتمدية بعدد سكانها هي أكبر من الموسكي، وثلاثة أرباع عابدين، ونصف الدرب الأحمر، ولا يمكن لتجمع بشري بهذا الحجم أن يكون قرية بأي حال.

تقول الإحصاءات الرسمية أن 53% من سكان مصر يعيشون في الريف، لكن كم من سكان الريف هؤلاء يعيشون في مناطق تشبه المعتمدية، ليس لها أي صلة بالريف؟ ألا يؤدي هذا إلى تضليل المخططين والدارسين وصناع سياسات التنمية، فما يظنونه ريفًا ليس له صلة بالريف بأي معنى؟ لماذا لا نسمى الأشياء بمسمياتها الصحيحة، ونواجه الحقيقة، بدلا من إخفاء الرؤوس في الرمال، وكأن أرضًا زراعية لم يتم تجريفها، ومباني عشوائية لم يتم بناؤها؛ وحمدًا لله على سلامة أهالينا في المعتمدية.

إعلان

إعلان

إعلان