إعلان

مفتاح شخصية الشهيد أحمد صابر منسي

د. أحمد عمر

مفتاح شخصية الشهيد أحمد صابر منسي

د. أحمد عبدالعال عمر
07:24 م الأحد 24 مايو 2020

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

كان الراحل الأستاذ عباس محمود العقاد أكثر الكُتاب قدرة على فهم دخائل العظماء والأبطال، وامتلاك مفاتيح شخصيتهم، والكتابة عنهم والترجمة لحياتهم ببراعة فائقة تجمع بين ذائقة النحل في الانتقاء، وصبر النمل في التحليل وإعادة بناء ورسم ملامح وسمات الشخصية.

ويكفي أنه صاحب سلسلة العبقريات الشهيرة التي كتب فيها عن سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم)، وعن الخلفاء الراشدين (عُمر وأبي بكر وعثمان بن عفان والإمام علي رضوان الله عليهم)، كما كتب أيضًا ببراعة شديدة عن عبقرية السيح المسيح، وعن عمرو بن العاص، وخالد بن الوليد، وسعد زغلول، وغاندي، وبنجامين فرانكلين.

وقد كان الأستاذ العقاد يرى أن لكل شخصية مميزة مفتاحًا إذا عُرف ساعد على رسم ملامحها وفهم تصرفاتها وتحليل مواقفها.

ومتابعة له، حاولت أن أقف على مفتاح شخصية الشهيد أحمد صابر منسي، قائد الكتيبة (103) صاعقة في شمال سيناء؛ لإعجابي الشديد بشخصيته وبطولته وبالنموذج الإنساني والوطني الذي يُجسده.

ولأنه صار بعد استشهاده في ملحمة كمين البرث، يوم 7 يوليو 2017، أسطورة حية في وجدان المصريين المعاصرين. أسطورة تستحق أن تُروى للأجيال المقبلة، وأن يُكتب معها اسم الشهيد المنسي، وأسماء رفاقه الشهداء من الضباط والجنود بأحرف من نور في تاريخ المصريين، وتاريخ بطولاتهم دفاعًا عن الأرض والعرض والكرامة الوطنية.

وقد وجدت بعد طول تأمل في شخصية وسلوك الشهيد المنسي، وما رواه عنه زملاؤه وجنوده ورفاق سلاحه، وزوجته وأبناء أسرته، وأصدقائه، وكل من اقترب منه أو عمل معه - أن مفتاح شخصية الشهيد هو: الشعور بالواجب، وإدراك عظمة التاريخ الوطني والعسكري الذي يحمله على ظهره.

والشعور بالواجب جعله إنسانًا جادًا في عمله، منضبطًا بطبعه، ملتزمًا بدافع داخلي يجعله يفعل دائمًا ما ينبغي أن يكون دون ضغط خارجي أو انتظار لثواب من أحد، ويكفيه حزاءً لعمله شعوره براحة ضميره الأخلاقي والوطني.

وقد كانت راحة الضمير تلك تظهر بوضوح في وجهه، وفي الابتسامة الطبيعية الصافية التي لا تفارقه في أصعب الأحوال والمواقف. كما جعلته صاحب شخصية ووجه مقبولين من كل مَن يراه أو يتعامل معه .

أما المفتاح الآخر لشخصية الشهيد المنسي، وهو إدراك عظمة التاريخ الوطني والعسكري الذي يحمله على ظهره، فقد نبع لديه من ثقافته وقراءته المستمرة في تاريخ هذا الوطن عامة، وتاريخ العسكرية المصرية خاصة. وهي القراءة التي عمقت لديه الشعور بالواجب، وجعلته يستلهم في شخصيه وسلوكه نماذج مشرفة من تاريخنا الوطني والعسكري.

ويكفي هنا أن نعرف أن قدوته الشخصية ومثله الأعلى كان هو الشهيد إبراهيم الرفاعي، قائد المجموعة (39) قتال صاعقة، إبان حرب أكتوبر المجيدة، الذي استشهد يوم الجمعة 19 أكتوبر 1973، بعد أن ضرب المثل الأعلى في الفدائية والشجاعة في القتال.

وقد بلغت محبة الضابط الشاب المثقف أحمد صابر منسي للشهيد "إبراهيم الرفاعي" حد التماهي مع شخصيته وتكوينه العسكري وبطولته، بعد أن قرأ كثيرًا وهو طالب بالكلية الحربية عن حياته وأسلوب قيادته.

وقد دفعته محبته الشديدة له إلى جعله مثله الأعلى وقدوته الدائمة، وإلى وضع صورته دائمًا على مكتبه، وإلى المواظبة على زيارة قبر الشهيد إبراهيم الرفاعي، والجلوس معه بمفرده لفترات طويلة، وربما الدخول في حوار روحي مع الشهيد الرفاعي، حول مخاوفه وأحلامه لوطنه.

ولهذا أقول: إن ما صنع نموذج الشهيد الأسطورة "أحمد صابر منسي"، هو إحساسه العميق بالواجب، وشعوره بعظمة التاريخ الوطني والعسكري الذي يحمله على ظهره، واقتداؤه بالشهيد إبراهيم الرفاعي.

ومن هنا نُدرك أن الشعور بالواجب النابع من داخل الإنسان، والذي يجعله يفعل ما ينبغي أن يكون، دون ضغط خارجي أو انتظار لثواب من أحد، هو مفتاح كل فضيلة شخصية أو مهنية أو عامة.

ومن هنا نُدرك أيضًا أن الاقتداء بالأبطال والشرفاء، يصنع الأبطال والشرفاء، ولذا يجب أن يظل أبطالنا أحياءً باستمرار في وعي ووجدان الوطن ووعي ووجدان الأجيال الحاضرة والمقابلة، ليصبحوا لهم قدوة ومثلًا أعلى.

وفي النهاية أقول: رحم الله الشهيد الأسطورة "أحمد صابر منسي"، ورحم الله شهداء الوطن وأبطاله الكرام في معاركه الوطنية المختلفة عبر العصور.

إعلان

إعلان

إعلان