إعلان

على قمة بجوار المحيط.. تلك الخيالات التي بدت بعيدة

د.هشام عطية عبد المقصود

على قمة بجوار المحيط.. تلك الخيالات التي بدت بعيدة

د. هشام عطية عبد المقصود
07:00 م الجمعة 28 مايو 2021

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع


د.هشام عطية عبد المقصود

كان واحدا من زملائنا فى مقاعد الدراسة في المرحلة الابتدائية، لم يكن من أولئك المتحدثين كثيرا ولا من الفخورين بسجلهم الدراسى المحتشد بالنجمات أو بكلمات وعبارات الإشادة، تلك التي سعى كثير من زملائه فى سبيل إدراكها، وحيث كانت طريقة التعبير عن المتفوقين أو "الشُطار" بتعبير ذلك الزمان تتمثل فى قيام المدرسين بمنح ثلاثة أوسمة تزين أوراق نتائج امتحان كل مادة دراسية، تتمثل في كتابة واحدة من الكلمات الثلاث التالية: الأول أو الثانى أو الثالث على الورقة مع الدرجة وهى تحيط بها دائرة، ثم يستوي كل ما عدا ذلك بوضع الدرجة فقط، فإذا لم تفز بواحدة من هذه الكلمات الثلاث لتستقر وديعة مزغردة بالأحمر فوق أعلى يمين ورقة إجابتك فقد صرت طالبا "عاديا"، أو هكذا تصورنا وثبت فى وعينا.
كان زميلنا هذا نموذجا لذلك الطالب الذي يأتي وصفه على لسان المدرسين بأنه "متوسط دراسيا" وذلك حين يجيبون باحترام جم عن سؤال الأهل عن أحوال ابنهم الدراسية، لكنه كان موهوبا في أشياء أخرى شتى، مثلا اختراع الألعاب المسلية، والغناء، وصناعة الطائرات الورقية.

كما كان شيقا في حديثه؛ فلم نشاهده يوما يسترق نظرا ما نقل من أوراق زملائه ليصنع نجاحا يجعله يغادر حالة التوسط تلك ولو مؤقتا، بقي محفوظا فى ذاكرتنا شخصا متدفقا في حيويته، وغريبا فى أحلامه التى تبدت لنا "غير واقعية"، إذ كيف يمكنه تحقيقها وهو ذلك "المتوسط" دوما دراسيا، ثم إنه لم يتمكن أبدا من أن يسلك طريق المجد "الوحيد" الذى عرفناه أفقا ثابتا بأن يحصل- ولو مرة- على واحدة من تلك الكلمات الثلاث السحرية!

كان يفضل دوما الجلوس في المقعد الخامس الملاصق للحائط وإلى جوار الشباك المطل على الفناء والسور، حيث دوما ينظر بعيدا لتعيد تنبيهات المدرس عينيه إلى السبورة، هكذا أخذنا ما يحدثنا به من أحلام على مسار التلهي والضحك وربما السخرية، رغم أنه لم يقل أبدا إنه يبحث مثلا عن الفانوس السحري ليطلب أمنيات مستحيلة، أو إنه يطارد سر "طاقية" الإخفاء ليصنع ما يستعصي على البشر العاديين، أو يجهز تميمة سحرية يطلقها على الأشياء فتتحول ذهبا بين يديه، لا شيء من هذا قاله أبدا.

كان يتحدث عن شيء آخر مختلف، ولكنه بدا لنا حينها مفارقا وبعيدا تماما، حلم زميلنا هذا دوما بالسفر لبلاد بعيدة جدا تطل على المحيط، حددها لنا بدقة متناهية، وكان قد عرف عنها كل المتاح فى ظل عصر ما قبل الإنترنت وحكاه لنا مبهورا، وظل زميلنا هذا تحمله الأيام وفصول الدراسة لا يفارق وصفا دراسيا "متوسطا"، حتى غاب سنوات طويلة، فتاه فى التفاصيل المستجدة، وحيث لم يعد بوسع أحد أن يعيد إفراغ ذاكرته ليبحث فيها عمن عرف، وأفلتته المساحات والأماكن والأزمنة.
نتذكر أنه قرب انقطاع معرفتنا بأخباره كانت الأغنيات تمضي لتؤرخ حكايات أيامنا حلوها ومرها، ننتقي منها ما يعبر عن الحالة الوجدانية غناء، وحيث كانت أشرطة الكاسيت هى بمثابة أسطوانات "دي. في. دي" هذا العصر، وكان جهاز الكاسيت "أبو شريطين" الذي في منزل أحدهم هو الحل "الاقتصادى" لتداول ألبومات الكاسيت أو صنع توليفة من الأغنيات المفضلة تظل تدور غناء طوال اليوم نصدح معه تكرارا بصوت عال مصاحب لها ولو كان منفرا لكل من حولنا.

وكانت هناك أغنية لمدحت صالح قرب نهاية الثمانينات أو تحديدا العام 1988، أغنية "بحلم على قدي"، استعذبناها وغنيناها، وحيث لم نجدها غريبة أو غير مألوفة عن طريقتنا في التفكير، تتضمن تصالحا وجدانيا جما لأحلام بدت لنا غير ممكنة، وتتماشى كلماتها مع كتيب تعاليم التنشئة غير المدون الذي يتلقفه الأجيال باعتباره الطريقة الواقعية لحياة صحية، أو تحت عنوان أعرض: هكذا تكون المنجاة من سطوة التخيلات، سمها ما شئت، بحيث إنه كلما لاحظ أحدهم أعراض الحلم "المفرط" على نفسه أو على من حوله من أهل أو أسرة أو زملاء توجب عليه- كفعل محبة خالصة- أن يتولى إعادته إلى حيث تقف قدماه على الأرض.

هل كان هذا التصور والمفهوم والراسخ فى التنشئة مسئولا تاريخيا مثلا عن أنه لم يتذوق كثير من الأجيال تاريخيا فوائد وغايات السفر والهجرة والمغامرة والاكتشاف فى الأزمنة والعقود والقرون السابقة؟
وحينما كانت حينئذ "شرعية" ومباحة ومتاحة ولا قيود عليها، فقد كان يؤرقنى فهما وأنا طالب في المرحلة الثانوية شيء يخص ظاهرة شعر المهجر، فأجد أن كل المهجريين والشعراء الذين شكلوا تيارا مهما مبدعا لم يكن بينهم مصري معروف قط، وحيث وعت ذاكرتنا أسماء إيليا أبي ماضي وجبران خليل ومطران وميخائيل نعيمة وغيرهم ولم نعرف بينهم مصريا علما.
وكان السؤال لماذا اقتصرت غربة المصريين فقط على السفر المرتبط لغرض اقتصادي سريع وإلى حيث يتقلدون وظائفهم نفسها التي عرفوها من قبل وعملوا بها، انتقالا اجتماعيا بشكل مؤقت "صد رد" إلى البلدان الشقيقة المجاورة مع ظهور النفط بها، وذهابا نحو مجتمعات يعرف لغتها ويدخل ضمن عاداتها وثقافتها معرفيا واجتماعيا، بينما شهدت هجرة الشوام باتساع جغرافية التسمية حينئذ مثلا إلى شتى بقاع الأرض والبعيدة والجديدة منها تحديدا تحققا معنويا وأثرا إنسانيا مهما ظل باقيا يحمل نواتجه المدهشة؛ حيث أسسوا وجودا مؤثرا في دول مثل البرازيل والأرجنتين وكولومبيا وتشيلي وأروجواي وغيرها، حتى وصلت فيها أجيال تالية منهم إلى مناصب رئاسية ووزارية وتحققات اقتصادية ضخمة؟!

فيما يخص زميل مقاعد دراستنا، فقد حدث له شيء يشبه كثيرا أفلام الأبيض والأسود السعيدة ذات النهايات السعيدة والتي تقف بنا عند نقطة حلوة من الزمان كحد انتهاء فاصل، وحيث توالت مع مرور السنوات أخبار متناثرة تجسدت بعد ذلك في صور على منصات التواصل، وهي تعيد ربط بشر جغرافية الكون وتصنع جسر تلاقيهم بعد انقطاع وغياب، فنقرأ له، ونسمع منه عن تفاصيل غابت في رحلته تلك، ونراه بملامحه ذاتها لم تتغير قط، يقف فوق ربوة خضراء على طرف محيط أزرق اللون يمتد في الصورة بلا نهاية، مبتسما ومشيرا للبعيد.

إعلان

إعلان

إعلان