إعلان

المشاهد الذي دومًا على حق!

د.هشام عطية عبدالمقصود

المشاهد الذي دومًا على حق!

د. هشام عطية عبد المقصود
07:01 م الجمعة 27 أغسطس 2021

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

مع اتساع مجال صناعة وعرض الدراما على منصات العرض المستحدثة مصريا وعربيا وعالميا، فضلا عن منظومة القنوات التليفزيونية المدفوعة وتلك الفضائية المتعددة، سيندمج الجمهور أكثر في المشاهدة وستصير الدراما بتنوعاتها بعضا من عناصر حياة يومية يتلقاها مسلسلا قد تمتد حلقاته بلا انقطاع وتكبر معه في العمر، أو فيلما قصيرا أو طويلا أو سواهما من أشكال محتوى متجددة، سيكون المشاهد "الجديد" خبيرا متحليا بكل نواتج خبرات التعامل السابقة، مدققا ومتأففا وغاضبا حينا، وهكذا ربما سيكون من الضروري أن يصاحب كل عمل درامي جديد مقدمة وتنويه يحدد اتفاقا مع المشاهد المتحكم دافع الاشتراكات، مثلا أن تضاف جملة في بدء العمل تفيد بأن ما يقدم ليس أبدا قصة حياتكم التى تثقون من تفاصيلها، كما أنها ليست دراما وقائع مستوحاة من حياة تلك الممثلة أو الممثل ممن اعتدتم أن تلوكوا شيئا من تفاصيلها بينما تحدقون في شاشات الهواتف.

وأيضًا سيتخطى الأمر جملة تاريخية محفوظة في أرشيف بدايات سينما الأكشن والرعب تنادى بابتعاد أصحاب القلوب الضعيفة، ولا تقف عند حدود وضع تصنيف للمشاهدة بحسب العمر والذي سيعنى ضمنا إثارة الخيال بمشاهدة تغري الجميع بالمتابعة: "من سن تسعة إلى سن تسعة وتسعين"، يكون ذلك لازما وتفاديا لجمهور تفرغ للدراما متابعة ومحاسبة، وانتبه تماماً للتفاصيل وبما يفوق انشغاله بما تجود به الحياة اليومية من "حاجات ومحتاجات"، وتحدث بثقة وهو ممسك بمسطرة العقاب المدرسي، وسيكون تفاديا أيضا لبعض من أصبحوا نقاداً يمتلكون "فلكة" عريضة متسعة تتخذ من البرامج وصفحات السوشيال ميديا مساحة تأنيب وتهذيب، وهكذا ومن خلال خبراتهم الواسعة - عرض البحرين إذ يلتقيان - سيلغون كل وأي فارق بين نص مصنوع هو من مقتضيات فن المخايلة وبين وقائع حياة تجري لحما وشوكا.

يقتنص الجمهور خطأ في تسلسل درامى أغفل منطقا يظنه لازماً، أو تجاوز تفصيلة بدت عنده ضرورية الحضور فى ملابس الممثلين، وسيصبح أمراً أكثر خطورة عندما يناقش أحدهم سلوك شخصية درامية، ثم يناديها باسمها الذى في الدراما، داخلا مباشرة إلى "جوه" التتر، وناقلا قراءة وتحليل الدراما من الشاشة باحثا عنها في الحياة، كما لم يحدث أبدا في عقل كاتب أو مر بذهن سيناريست، وسيكون الفنان يوسف وهبي- الذي مثل دور الشيطان قديما- قد أفلت من محاسبات هذه الأيام حينما دخل فيلمه إنسياً وخرج منه كذلك، ولم يطلب أحدهم منه حينئذ أن يتحمل ذنوب كل من أغواهم منذ نشأة الكون.

يواصل المشاهدون فرجتهم بكل الخبرة التي تراكمت واختزنوها، لينطلقوا بعد عميق المتابعة نحو مهاجمة شخصيات العمل، خاصة الشريرة منها، ولن يستطيعوا في مرحلة ما أن يستمعوا لتوسلات الممثل "الشرير" بأنه مجرد دور كتبه خيال أحدهم ليتوازى الخير والشر فى الدراما، لن يتاح لكتاب الدراما وفريق بناء أدوار وسمات الشخصيات على الشاشات أن يردوا على الحديث بشأنهم كثيرا، فالمشاهد صار يبحث عن اكتمال شخصيته المفضلة وعن دراما توافق مقاس رؤيته، ولن يتسامح مع حل درامي أتيح لكاتب- من وجهة نظرهم- تعجلا أو تسرعا أو "هوا كده وخلاص"، لن يجرؤ كتاب الدراما على القول بأن الحياة ليست منهجا في الديناميكا تنتج فيه الحركة عن فعل ورد فعل مؤكد، وأن وجودكم ذاته في الحياة هو محض مصادفة جمعت بين من كانا غريبين؟! وسيكشف كل ذلك شيئا دالاً عن معدل الثقافة المتخصص السائد.

ظل تفاعل ومشاركة المشاهد مع الدراما متواجدا، لكنه كان مؤقتاً، تنغلق صفحته بانتهاء ساعة الدراما أو زمن الفيلم، وقد تنتهي بتصفيق جمهور الترسو لوحش الشاشة وقد حقق المراد، ساعة أو تزيد ثم يليها فاصل يمتد 23 ساعة من الحياة الواقعية، وبحيث يتاح للفرد أن يواجه كل خير العالم وشره "لايف" فيعتاد على منازلته ويمضي معه.

هكذا مضت متابعة الدراما تاريخيا تتماشى توازياً خافتاً مع الحياة المزدحمة بالتفاصيل والنبض والمعايش، حتى قرر البشر وشاءت لهم الحياة أن يصنعوا بدائل وحدتهم في هذا العالم، وبحيث أنه ومع الوقت كان العبء الأكبر لتعاطي الحياة معيشة وتفاعلاً ونزالاً يقع على عاتق دراما الشاشات أو الحياة التي يعيشونها عليها.

إعلان

إعلان

إعلان