إعلان

"اللا مركزية" وسيناء ... الخيار المستحيل

محمد جمعة

"اللا مركزية" وسيناء ... الخيار المستحيل

محمد جمعة
07:54 م الجمعة 24 أبريل 2020

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

لشبه جزيرة سيناء (التي تتجاوز مساحتها دولًا في الإقليم، ودولًا أخرى أعضاء في الاتحاد الأوروبي)، خصوصية لم تُستمد فقط من ارتباطها تاريخيًا بأحداث كبرى مرت على مصر، ولكن أيضًا من موقع جيوسياسي مهم وحساس جدًا، كونه يرتبط بأهم وأقدم الصراعات في الإقليم، أي الصراع العربي- الإسرائيلي. ولهذا بدا طبيعيًا هذا الجدل والصخب الواسعين اللذان شهدتهما وسائل الإعلام المصرية، ومواقع التواصل الاجتماعي، طيلة الأيام الماضية، حول مقال "استحداث وظيفة" الذي نشرته صحيفة "المصري اليوم"، في وقت سابق من أبريل الجاري، وتعرض لأفكار تتعلق بتنمية سيناء، إلى أن حسم المجلس الأعلى للإعلام هذا الجدل من خلال قرارات مهمة، وملفتة بحق الصحيفة والمسؤولين فيها.

مقال صحيفة "المصري اليوم" المشار إليه لا تقتصر إشكالياته على تبني وجهة نظر خاطئة في سياق جدل الأمن والتنمية في سيناء، وهو بالمناسبة جدل عادة ما يُثار بشأن كل المناطق الحدودية في العالم التي ترتبط بصراعات لم تصل بعد الأطراف ذات الصلة بها إلى صيغة متوافق عليها للتسوية النهائية لها. ولكن الإشكالية الأساسية في طرح السيد نيوتن (كاتب المقال) هو دعوته إلى الفيدرالية (وليست اللا مركزية الإدارية فقط)، خيارًا لعلاقة سيناء بالدولة المصرية، وإن لم يذكرها بالاسم. وتبنيه (من داخل هذه الدعوة)، لوجهة نظر تزعم أن هذا الشكل من "الرابطة" بين سيناء ومصر لن يؤثر في النهاية على تبعية "سيناء" للدولة المصرية على المدى البعيد، ولن يؤدي إلى تناقضات معها في التوجهات الاستراتيجية على صعيدي الأمن والسياسة الخارجية.

حيث يقول السيد نيوتن بأن ما سيربط بين "إقليم سيناء" والمركز في القاهرة هي السياسة الخارجية وأمن الحدود فقط... في حين أن نماذج التنمية التي يطرحها هي على النقيض تمامًا والمقاربة المصرية لأمن الحدود الشمالية الشرقية، وكذلك السياسة الخارجية تجاه الجيران على هذه الحدود!

صحيح أن الاضطرابات السياسية والأمنية والاجتماعية التي اجتاحت الإقليم خلال السنوات القليلة الماضية، ربما غيرت بشكل كبير من البيئة التي تتفاعل فيها العلاقات المصرية الإسرائيلية، لكن هذا في النهاية، لم يغير من حقيقة أن مصر ظلت حريصة على التبني الكامل لنمط "الحدود المغلقة" والمراقبة مع إسرائيل.

وحتى لا يساء فهم هذا الكلام، أو نتعرض بسببه لأي مزايدات بدعوى الحرص على السلام (الذي هو –وبحق– خيار مصر الاستراتيجي)، نود أن نوضح هنا أن الميل نحو الحدود المغلقة والمراقبة لا تظهر فقط في حالات التوترات والصراعات المتجذرة منذ فترة طويلة، بل أيضًا بين البلدان المتجاورة ذات الأنظمة/ أو الثقافات المختلفة بشكل لافت للنظر... في مثل هذه الحالات، يمكن للأسوار –إلى حد ما– أن تبقي علي الطرفين كـ"جيران جيدين" خاصة عندما يكون هناك ميل للمحافظة على هذه الاختلافات السياسية والاجتماعية والاقتصادية واستدامتها. وهنا لا ينطوي الاختلاف والحدود المغلقة بالضرورة على إثارة أسباب العداء أو يهددان الاستقرار.

وعليه، فإن الاختلافات –التي أشرنا إليها سابقًا- من المتصور أن تبقي على نمط الحدود المغلقة (وليست الحدود المفتوحة على تفاعلات بين المدنيين)، بين مصر وإسرائيل، حتى مع افتراض تجاوز كل الأطراف للإشكاليات المتعلقة بعدم تسوية الصراع الفلسطيني–لإسرائيلي، وكذلك تجاوز الحواجز النفسية نتيجة إرث الماضي. والخلاصة أن الحدود المستقرة (بدلاً من الحدود المفتوحة) قد تكون هي النمط المثالي لتلبية المصالح الوطنية المصرية ذات الصلة بنمط العلاقة مع إسرائيل. في حين أن تعميق التفاعلات بين المدنيين عبر الحدود يبدو توجهًا غير واقعي إلى حد كبير، ويتجاهل الحاجة الأساسية إلى الاستقرار. بل وقد يكون مدمرًا في ضوء الحساسيات الجيوسياسية، والاختلافات الواسعة في النظام والثقافة والانتماءات الحضارية، والفجوات الاجتماعية-الاقتصادية بين مصر وإسرائيل.

هنا بالذات تتبدى خطورة ومركزية فكرة "إقليم سيناء"!!، وتأثيرها البالغ فيما يتعلق بمستقبل علاقة الدولة المصرية بسيناء. وتتبدى عدم دقة وجهة نظر نيوتن التي تقول بأن الصلاحيات الواسعة الممنوحة للسلطات داخل الإقليم، في كل ما يتعلق بالسياسات الاقتصادية والتنموية، لن تخل في النهاية بتبعية الإقليم –على المدى البعيد– أو بالانسجام بينه وبين المركز في كل ما يتعلق بالتوجهات الاستراتيجية المتعلقة بأمن الحدود، أو السياسة الخارجية؛ لأن السلطات الواسعة –بحسب نيوتن- التي تتخطى صلاحيات المحافظ، والميزانية الخاصة المنفصلة عن ميزانية الحكومة، والسياسات الاقتصادية والتنموية التي ستتجاوز بيروقراطية الوزارة، ودولاب العمل التقليدي لرئاسة الحكومة... والحق في التوقيع على عقود شراكات اقتصادية، و"منح التعاون الدولي" وبروتوكلات التعاون الفني مع مختلف الهيئات والجهات الدولية... ستكون في النهاية وسيلة "الخارج" للتغيير في طبيعة العلاقة التي تربط بين "إقليم سيناء" وبين الدولة المصرية. بل ولن تتوانى إسرائيل عن تقوية علاقاتها بهذا "الإقليم". ومن الممكن جدًا أن نشهد افتتاح قنصلية إسرائيلية لرعاية شؤون المدنيين الإسرائيليين سواء كانوا مستثمرين أو عناصر فنية تعمل في مشروعات اقتصادية هناك، وكذلك ملحقية تجارية لإسرائيل في داخل "إقليم سيناء" لإبرام الاتفاقيات ومراقبة تنفيذ التفاهمات ذات الطبيعة الاقتصادية!

وبالمقابل لن تتوانى إسرائيل أيضًا عن تقوية "الإقليم" في مواجهة المركز بالقاهرة لدفعه في النهاية نحو صيغة الحكم الذاتي... كون سيناء تمتلك كل مقومات الانفصال: وجود مانع مائي.. منطقة تحوز 30% من شواطئ مصر... إمكانيات سياحية هائلة.. ثروات معدنية.. غاز وبترول ...إلخ.

بل حتى الفقر المائي سيتم التغلب عليه بدعم تكنولوجي ومادي من قبل الخارج للتوسع في عمليات تحلية مياه البحر!.

نعم، إسرائيل ستكون لها مصالح كبرى مع "الإقليم" الناشئ، وستجد في ذلك الفرصة الكبرى للتخلص من جوار مصر القوة الإقليمية ذات الثقل الديموجرافي الكبير. والإبقاء على هذا "الإقليم" كساحة خلفية رخوة، لا تمتلك أي مقومات للممانعة في مواجهة أي تصورات تتعلق بتصفية المسألة الفلسطينية، بعد أن تكون قد جردت مصر من الورقة الفلسطينية أصلاً.

باختصار: سيناء ربما هي المنطقة الوحيدة في مصر التي لا تتواءم مع فكرة الفيدرالية ولا حتى "اللا مركزية" بكافة صورها... اقتصادية كانت أو إدارية... وليس بلا مغزى أن تضم محافظات القناة ضمن صلاحياتها الإدارية مناطق في غرب وشرق القناة (في قلب سيناء) على السواء!

يا سادة، هناك فارق كبير بين البحث عن صيغ ناجعة للتنمية الاقتصادية (مثل إنشاء مجلس اقتصادي لسيناء يتبع مباشرة السيد رئيس الجمهورية)، وبين طرح صيغ مفخخة قد تنفجر في وجوهنا، وتفضي في النهاية إلى تصدعات غائرة بين مصر، وجزء أصيل من ترابها الوطني المخضب بدماء الشهداء.

إعلان

إعلان

إعلان